ابن الجوزي
310
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
قال : فلما قال الحطيئة : ما ذا تقول لأفراخ ، بكى عمر فقال عمرو بن العاص : ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أعدل من رجل يبكي على تركة الحطيئة . قال عمر : أشيروا عليّ في الشاعر فإنه يقول الهجو ويشبب بالحرم ويمدح الناس ويذمهم بما ليس فيهم ، ما أراني إلا قاطعا لسانه علي بكرسي ، فجلس عليه ثم قال : عليّ بالمخصف عليّ بالسكين لا بل عليّ بالموسى فإنه أوجى ، فقالوا : لا يعود يا أمير المؤمنين ، وأشاروا إليه قل لا أعود ، فقال : لا أعود ، فقال : النجا ، فلما ولَّى قال : ارجع يا حطيئة ، فرجع ، فقال له : كأني بك عند شاب من قريش قد كسر لك نمرقة وبسط لك أخرى ، [ وقال : يا حطيئة غننا ] [ 1 ] فاندفعت تغنيه بأعراض الناس ، قال أسلم : فرأيت الحطيئة بعد ذلك عند عبيد الله بن عمر قد كسر له نمرقة وبسط له أخرى وقال : يا حطيئة غننا ، فاندفع يغنيه ، فقلت له : يا حطيئة أتذكر يوم عمر حين قال لك ما قال ، ففزع وقال : رحم 127 / أالله ذلك المرء لو كان حيا ما فعلنا هذا ، فقلت لعبيد الله : إني سمعت / أباك يقول كذا وكذا ، وكنت أنت ذلك الرجل . وبالإسناد عن محمد بن الضحاك ، عن أبيه قال : أمر عمر بن الخطاب بإخراج الحطيئة من السجن فأخرج ، فقال له : دع قول الشعر . فقال لا أستطيع . قال : لم ؟ قال هو مأكلة عيالي ، ونملة على لساني . قال : فدع المدحة المجحفة . قال وما المدحة المجحفة ؟ قال : لا تقول بنو فلان [ 2 ] أفضل من بني فلان ، امدح ولا تفضل . قال : أنت أشعر مني يا أمير المؤمنين . قال ابن الأنباري : ضرب النملة مثلا لما يتردد من قول الشعر في قلبه ، ويطالب به لسانه . ومن مدائحه قوله : أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم من اللوم أو سدوا المكان الَّذي سدّوا أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدّوا وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها [ 3 ] وإن أنعموا لا كدّروها ولا كدّوا
--> [ 1 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل ، أوردناه من أ . [ 2 ] في الأصل : بني فلان » . [ 3 ] في الأصل : « جدوا بها » .